الشيخ علي المشكيني

68

دروس في الأخلاق

أو رجاء بلا خوف كان ممّا ورد النهي عنه ، وعبّر عنهما باليأس من روح اللَّه والأمن من مكر اللَّه ؛ بل اللازم وجودهما وتساويهما ، بحيث لو وزنا لم يتراجحا ، وأيضاً من اللازم أن يكونا مسبّبين عن قدرة اللَّه تعالى وعفوه وكرمه ، نظير ما إذا قتل زيد ولد شخصٍ كبيرٍ قادرٍ على الانتقام عظيم كريم الصفح ؛ فإنّه يحصل للقاتل - مع ملاحظة خطأه - حالة خوفٍ بالنظر إلى قدرته ، ورجاء بالقياس إلى كرمه ، فاللازم على العبد المذنب إذا فكّر في قدرة اللَّه أن يخاف منه ، وإذا فكّر في عفوه وكرمه أن يرجوا صفحه . وأمّا الرجاء الحاصل من حُسبان نفسه لائقاً بالعفو أو الإثابة أو رؤية عمله حسناً جميلًا يستحقّ به الجزاء فهو مذموم . والحالتان قد تحصلان بالنسبة إلى الذنب وعقوبته ، وقد تحصلان بالنسبة إلى العمل الصالح وثوابه ؛ فالعبد كما قد يخاف من عقاب ذنبه ويرجوا العفو عنه ، كذلك قد يخاف من حرمان ثواب عمله ، ويرجوا الفوز به ، فالأولى أن نورد شيئاً ممّا ورد في الوصفين وآثارهما ؛ أي ما ورد في صفة الخوف من اللَّه تعالى ومن بطشه وعقابه ، وفي صفة الرجاء منه تعالى رجاءَ غفرانه وإحسانه . فنقول : خاطب اللَّه الناس بقوله : « وَإِيىَ فَارْهَبُونِ » « 1 » . وقوله : « وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » « 2 » ، وقوله : « فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ » . « 3 » وقال لرُسله بعدما وعدهم إهلاك الظالمين وإسكانهم الأرض : « ذَ لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ » . « 4 » ووصف رُسلَه بأنّهم الذين يرجون رحمته ويخافون عذابه ، وقال تعالى : « وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » « 5 » . وقال لنبيّه في حقّ القرآن : « وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهِمْ » « 6 » . وقال : « أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 40 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 175 . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 44 . ( 4 ) . إبراهيم ( 14 ) : 14 . ( 5 ) . الحّج ( 22 ) : 34 و 35 . ( 6 ) . الأنعام ( 6 ) : 51 .